الفيض الكاشاني

247

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

وقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من تطعم بما لا يطعم ، أو قال : لي وليس له ، أو أعطيت ولم يعط كان كلابس ثوبي زور يوم القيامة » ( 1 ) ويدخل في هذا فتوى العالم بما لا يتحقّقه وروايته الحديث الَّذي لا يتثبّته ، إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه ، فهو لذلك يستنكف من أن يقول : لا أدري ، وهذا حرام وممّا يلتحق بالنساء الصبيان ، فإنّ الصبيّ إذا كان لا يرغب في المكتب إلا بوعد أو وعيد أو تخويف كاذب كان ذلك مباحا نعم رويّتا في الأخبار أنّ ذلك يكتب كذبا ولكنّ الكذب المباح أيضا يكتب ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده فيه ثمّ يعفى عنه لأنّه إنّما أبيح بقصد الإصلاح ، ويتطرّق إليه غرور كثير فإنّه قد يكون الباعث له حظَّه وغرضه الَّذي هو مستغنى عنه وإنّما يتعلَّل ظاهرا بالإصلاح فلهذا يكتب ، وكلّ من أتى بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أنّ المقصود الَّذي كذب لأجله هل هو أهمّ في الشرع من الصدق أولا ؟ وذلك غامض جدّا ، فالحزم في تركه إلا أن يصير واجبا بحيث لا يجوز تركه كما لو أدّى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان ، وقد ظنّ ظانّون أنّه يجوز وضع الأخبار في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي وزعموا أنّ القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من كذب عليّ متعمّدا فليتبوّء مقعده من النار » ( 2 ) وهذا لا يرتكب إلا بضرورة ولا ضرورة ههنا إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ، ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها ، وقول القائل : إنّ ذلك قد تكرّر على الأسماع وسقط وقعه وما هو جديد على الأسماع فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض الَّتي تقاوم محذور الكذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وعلى اللَّه تعالى ويؤدّي فتح بابه إلى أمور تشوّش الشريعة فلا يقاوم خير هذا بشرّه أصلا ، فالكذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم من الكبائر الَّتي لا يقاومها شيء .

--> ( 1 ) قال العراقي : لم أجده بهذا اللفظ . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة تحت رقم 34 و 35 و 36 و 37 .